التأهل لمعايير الجودة العالمية لتصنيع البرمجيات‏

  • العالم يستخدم أدوات معيارية لضبط التصنيع‏..‏ وشركاتنا تدمن العشوائية

    يتمثل الجزء الأكبر من الأزمة التي تعانيها الغالبية الساحقة من شركات البرمجيات في أنها نضجت بدرجة مكنتها من تجاوز المرحلة التي يتم فيها كل شيء وفق المهارات والخبرات والاجتهادات الفردية‏,‏ كما هو الحال في الورش والأكشاك الصغيرة‏,‏ لكن ما حققته من نضج لم يكفل لها الوصول للمرحلة التي تطبق فيها المفاهيم والإجراءات المنضبطة القائمة علي العمل الجماعي المؤسسي كما هو الحال في المصانع‏,‏ بعبارة أخري هي شركات أنضج قليلا من الورشة‏,‏ لكنها قاصرة عن استيعاب مفاهيم المصنع‏,‏ وهو وضع يجعلها تعيش حالة شيزوفرينيا تجمع بين الورشة من حيث الجوهر الداخلي والمصنع من حيث الشكل الخارجي الذي لا يتجاوز لغة خطاب يلوكها أصحابها ومسئولوها من باب التباهي‏,‏
    ولعل افتقاد الشركات للوفاء بمعايير الجودة المطلوبة عالميا يعد الدليل الأكبر علي هذه الحالة المأساوية‏,‏ وقد تناولت خلال الأسبوعين الماضيين سببين لهذه المشكلة هما غياب فرق البرمجة التي تتشكل وتعمل وفق معايير الجودة وسيادة بيئة العمل العشوائية داخل الشركات‏,‏ واليوم أصل للضلع الثالث من المثلث وأعني به الغياب شبه الكامل للأدوات المعيارية في ضبط عمليات تصميم وتصنيع البرمجيات‏,‏ والتي أزعم أن غالبية الشركات المصرية لا تدري بوجودها من الأصل‏,‏ ولاتزال تدمن أسلوب الفهلوة وشطارة الأسطوات‏,‏ بينما شركات البرمجيات الناجحة عالميا تعرفها وتفهمها وتطبقها باقتدار منذ سنوات‏..‏ ما هي هذه الأدوات؟
    كما نعرف فإن البرمجيات صناعة ذهنية إبداعية لا تستخدم فيها أدوات إنتاج مادية بالشكل المعتاد‏,‏ فلا مواد خام ولا ماكينات تصنيع ولا خطوط إنتاج ولا مخرج مادي ملموس‏,‏ فمدخلاتها لا تتعدي أفكار من ذهن المبرمج والحاسب الذي يعمل عليه وربما بعض الكتب‏,‏ ومخرجاتها برمجيات غير مادية تخزن في ذاكرة حاسب أو أسطوانة مدمجة‏.‏ ومن هنا فإن أدوات ضبط عمليات تصميم وتصنيع البرامج وإدارة المشروعات الخاصة بها لا تكون معدات وأدوات مادية تشبه معدات القياس والضبط المستخدمة في خطوط الإنتاج بالمصانع‏,‏ وإنما تكون هي الأخري أيضا حزم برمجيات تعد خصيصا لتساعد الشركات علي القيام بمسئولياتها وفق منهج مخطط ومنضبط وقابل للقياس كما هو الحال في خطوط الإنتاج داخل المصنع‏,‏ كما يجعل ما يتوصلون إليه من برامج علي مستويالجودة المطلوب عالميا‏.‏
    وتوجد بالسوق العالمية العديد من حزم البرمجيات التي أصبحت تمثل عنصرا أساسيا وحيويا في البنية الهيكلية والأساسية لأي شركة برمجيات تسعي للتنافس بقوة في الاسواق‏,‏ وذلك لكونها تساعد الشركات علي التغلب علي الكثير من تحديات تطوير البرامج من خلال تعجيل وقت طرحها في الأسواق وتعميق الاتصال والتواصل بين أعضاء فريق العمل‏,‏ وتحسين الجودة وزيادة كفاءة العمل‏,‏ وتتبع التغييرات وتقليل التكلفة إلي حدها الأدني للوصول إلي تحقيق أهداف الشركة وتلبية تطلعات المتعاملين‏,‏ وعلي الرغم من ذلك فإن الغالبية الساحقة من شركاتنا إما لا تستخدم هذه الأدوات أو لم تسمع عنها من الأصل‏,‏ ومن منطلق رفع الوعي بهذه النوعية من الأدوات سأحاول فيما يلي استعراض الملامح الرئيسية للدور الذي تقوم به في ضبط عملية تصنيع البرمجيات‏,‏ وهو عرض استقيته من مراجعة لحزمة برمجيات راشينال‏,‏ وهي كما سبق القول شركة متخصصة اشترتها آي بي إم أخيرا وتعد واحدة من أهم حزم البرمجيات المتخصصة في هذا الغرض‏.‏
    وفي ضوء مراجعة هذه الحزمة يمكنني القول حزم برمجيات ضبط تصنيع البرامج تضم عادة مجموعات من الأدوات المترابطة‏,‏ فمنها المجموعة الخاصة بضبط الجودة في بيئة العمل‏,‏ والمجموعة الخاصة بضبط عملية البرمجة نفسها‏,‏ والمجموعة الخاصة بعمليات الاختبار والتأكد من جودة البرامج قبل وأثناء وبعد عملية إتمام بنائها الكودي وذلك علي النحو التالي‏:‏
    أولا مجموعة أدوات ضبط وتجويد بيئة العمل ومنها‏:‏
    ـ الأداة التي يتم من خلالها إدارة المتطلبات وتحليلها ومهمتها مساعدة فرق العمل علي فهم وتحديد أولويات احتياجات المستخدم للبرنامج وتحديد المدي الزمني للمشروع بكفاءة وبشكل قياسي ومنهجي منضبط‏,‏ وعندما تتبلور متطلبات المشروع تبدأ في مساعدة المحللين والمسئولين بالشركة في تحويل المتطلبات إلي تصميم أساسي واضح الملامح للبرنامج أو النظام المزمع تطويره‏.‏
    ـ أدوات إدارة المشروعات والعمليات التي توفر إطار عمل مرن لمشروعات تطوير البرمجيات‏,‏ يمكن من خلاله تنفيذ احتياجات خاصة بفريق العمل أو بتقنية محددة‏,‏ وكذلك تعريف وتكييف أفضل الممارسات التطبيقية في تطوير البرامج‏,‏ وتستخدم هذه الادوات في تخطيط مشروعات البرمجيات المتعلقة بالإنترنت أو المشروعات الموزعة أو الصغيرة أو مشروعات الشركات الضخمة‏,‏ كما يمكن من خلالها تتبع وقياس تقدم المشروع اعتمادا علي حقائق فنية فعلية وليس علي أراء نظرية‏.‏
    ثانيا‏:‏ مجموعة أدوات ضبط جودة البرمجة ومنها‏:‏
    ـ أدوات تحديد وتقييم ومتابعة النظام الأساسي للفريق‏,‏ وهي مصممة لتزويد فريق العمل بأدوات البنية الأساسية وعمليات التكامل التي يحتاجونها للعمل الجماعي المشترك بفاعلية وإدارة المتطلبات وإدارة أصول البرامج‏,‏ وتتبع التغييرات وأوجه القصور وإدارة الاختبار والتقارير المستمرة‏,‏ ومن خلال جمع وربط البيانات المجمعة من أدوات التطوير المتعددة‏,‏ يمكن أن توفر هذه الأداة لمديري المشروعات وأفراد فريق العمل ببيانات دقيقة وحديثة حول المشروعات قيد الإنتاج‏.‏
    ـ الأداة التي تعرف اسم حل نمذجة البرمجيات‏,‏ والتي تساعد في وضع البناء النموذجي للبرنامج وتوثيق الكيفية التي يمكن أن تتم بها عمليات البرمجة الآن‏,‏ وفي المستقبل داخل الشركة‏,‏ ولذلك تسمي هذه الأداة أحيانا بالوحدات النمطية وتقدم مساعدة جليلة للمطورين ومديري برامج التطوير في الربط بين ما يحتاجه المستخدمون المتطلبات وكيفية تفاعلهم مع البرنامج المقترح حالات المستخدم ومكونات البرنامج التي تنفذ هذه الاحتياجات البناء الهيكلي للبرنامج‏.‏
    ـ الأداة البرامجية التي تعرف باسم حل مراقبة ونمذجة نظم الأعمال ومهمتها مساعدة شركة البرمجيات علي توفير أو بناء أطار قوي لتحليل أداء البرامج الجاري تطويرها في حالات التشغيل الحقيقي أثناء أدائها لدورها في بيئة العمل‏,‏ فهي تحلل تدفقات البيانات المعقدة عبر البرنامج والكشف عن عمليات تكدس البيانات بدرجة عالية من الدقة‏,‏ ويمكن أن يحلل المستخدمون العائد علي الاستثمار للسيناريوهات البديلة وحتي تعديل عمليات الأعمال بشكل تفاعلي لتحسين النتائج‏,‏ وكذلك إدارة البيانات لفهم كيفية تنظيم البيانات وتخزينها واستردادها من خلال البرنامج أو النظام المقترح‏.‏
    ـ أدوات تتيح لمصممي قواعد البيانات إمكانية إنشاء طرق عرض منطقية لقاعدة البيانات حتي يتم حل مشاكل الوصول إلي البيانات قبل إنتاج البرنامج أو النظام علي نطاق واسع‏.‏
    ـ والغالبية العظمي من مشروعات البرمجة داخل الشركات غالبا ما تسفر عن برامج تعمل في بيئة عمل مليئة بالعديد من البرامج والنظم من شركات برمجيات أخري‏,‏ ولذلك يكون مطلوبا من البرنامج الجديد أن يتكامل وينفتح ويعمل مع الأنظمة القائمة بلا مشكلات‏,‏ وهنا تنشأ الحاجة إلي ما يعرف بتحليل الأصول القائمة‏,‏ ولذلك تتضمن حزم ضبط التصنيع الحالية أداة متخصصة في هذا الغرض تقوم بمساعدة المبرمجين ومديري المشروعات في تحليل الأصول وتوثيق البناء الهيكلي للأنظمة الموجودة وفهم تأثير التغير المقترح علي بيئات العمل القائمة التي غالبا ما يكون بها نظم غير متجانسة‏.‏
    ثالثا‏:‏ مجموعة أدوات عمليات الاختبار والتدقيق ومنها‏:‏
    ـ أداة التطوير والتصميم التي تفيد مطوري ومهندسي أقسام تكنولوجيا معلومات والمسئولين عن تحديد وصيانة البناء الهيكلي للبرامج في توحيد الكثير من الأنشطة لتصميم الأبنية الهيكلية لتطبيقات والتحقق من صحتها وتشغيل عملها‏,‏ ثم ترجمة هذه التصميمات بسرعة إلي مكونات لغات البرمجة مثل لغة جافا وسي‏.‏
    ـ مجموعة أدوات اختبار ودعم تصحيح الأخطاء التي توفر للمبرمجين ميزات إضافية لتحسين إنتاجيتهم وبناء تطبيقات وبرامج عالية الجودة وخالية من الأخطاء وأهمية هذه الأدوات تعود إلي أنها توفر للمبرمجين جيلا جديدا من بيئات التطوير المتكاملة المزودة باختبار لوحدات أو مكونات البرامج التي يجري تطويرها‏,‏ علاوة علي أنها تتيح تحليل البناء الكودي للبرامج في الوقت الحقيقي‏,‏ أي أثناء عملية التطوير ذاتها والتعرف علي حالات تسرب المعلومات وحالات تعثر أداء التطبيقات وإصلاحها‏,‏ كما تتيح لمهندسي البرمجيات تتبع وبناء وصيانة مجموعة أنساق التصميمات والأنساق المضادة من أجل عرض العلاقات الأساسية والثانوية داخل البرنامج أو النظام الجاري تطويره والتحقق من صحة التكامل في البناء الهيكلي لمكونات النظام‏,‏ كما تمدهم بميزة مراجعة البناء الكودي للتحقق من صحة التوافق مع القواعد المحددة بشكل مسبق مثل تحديد أفضل أساليب استخدام لغة جافا الكاملة وتفيد هذه الأدوات في اختبار مدي كفاءة البرنامج من خلال تبسيط عمليات الإنشاء والصيانة والتحليل لنصوص الاختبار البرمجية الوظيفية الآلية‏.‏
    ـ أدوات تتبع التغييرات وأوجه القصور في البرنامج الجاري تطويره‏,‏ وهي مفيدة جدا لفرق البرمجة التي لديها مشاكل عاجلة وملحة مرتبطة بإدارة مئات أو آلاف من طلبات التغيير عبر أنظمة أساسية أو إصدارات أو مشروعات متعددة‏.‏
    في نهاية هذه السلسلة من المقالات‏..‏ آمل أن تبدأ شركات البرمجيات المصرية بالاهتمام بمفاهيم الجودة‏,‏ فكما قلت سابقا أنه لا يصح أن نكون في منتصف‏2005‏ والنسبة الأكبر من مسئولي شركاتنا يتثاءبون علي مقاعدهم وهم يسألون عن مفاهيم الجودة وجدواها‏,‏ لأن ذلك يعني أننا نعيش وضعا يدخل في باب الكوميديا السوداء الدالة علي أن صناعة البرمجيات تقف علي حافة الهاوية مكتفية بثقافة الفهلوة وشطارة الأسطوات‏.

    منقول

 

Advertisements
Categories: 1 - هندسية البرمحيات | أضف تعليق

التنقل بين المواضيع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.

%d مدونون معجبون بهذه: